محمد بيومي مهران
209
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
وقد عملت قريش على توفير الأمن في منطقة مكة ، وهو أمر ضروري في بيئة تغلي بالغارات وطلب الثأر ، حتى يكون البيت الحرام ملاذا للناس وأمنا ، وحتى يجد فيها من تضيق به الحياة ويتعرض لطلب الثأر ، الأمن والحماية ، ولعل هذا هو السبب في أن تحافظ قريش على حرمة الأشهر الحرم في موسم الحج ، حتى يأمن الناس فيه على أنفسهم وأموالهم . ولم تكتف قريش بذلك ، وإنما عملت على توفير الماء والطعام للحجيج في منطقة يشح فيها الماء ، ويقل الطعام ، ومن ثم فقد قامت بحفر الآبار في منطقة مكة وأنشأت أماكن للسقاية ، ثم أوكلت سقاية الحاج إلى البطون القوية « 1 » ، وهكذا غدت سقاية الحج - بجانب عمارة البيت وسدانته - عملا يراه القوم في قمة مفاخرهم ، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى « أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » « 2 » . وكانت ضيافة الحجيج عملا لا يقل عن سقايتهم ، وقد أسندتها قريش إلى الأغنياء من رجالاتها ، لأن قدوم الحجاج من أماكن بعيدة من شبه الجزيرة العربية ، يصعب معه حمل الزاد ، ومن ثم فقد كانت الرفادة تكلف أصحابها الكثير من أموالهم ، بجانب ما تقدمه قريش لهم ، إلا أن هذا الأمر في الوقت ذاته ، قد أفاد قريشا كثيرا ، إذ كانت المؤاكلة في عرف العرب ، إنما هي عقد جوار وحلف ، فضلا عن أن الضيافة في ذاتها من أكبر ما يحمد الرجل عليه ، وهكذا كانت قريش بعملها هذا ، وكأنها تعقد حلفا مع كل القبائل العربية ، تحمي به تجارتها ، وتسبغ على رجالاتها نوعا
--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 159 - 162 ( 2 ) سورة التوبة : آية 19 ، وانظر : تفسير الطبري 14 / 168 - 173 ، تفسير ابن كثير 3 / 373 - 374 ، الدرر المنثور في التفسير بالمأثور 3 / 218 ، تفسير القرطبي 8 / 91 - 92 ، تفسير المنار 10 / 215 - 220 .